Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

النصُ  الموازي

قصيدة خلود الفلاح

 
 

   أطبع الصفحة

  عدد القراء  3172

 
 

 

[ إنَّ كُلَّ روائيّ يعرف أنه بجانب العالَم الواقعيّ، يُوجَدُ عالَمٌ آخَرُ ليس مكتوباً.......... الرواية تُشبِهُ شَبَحاً لعالَمٍ لا يُبْصِرُه إلاّ الكاتبُ ] ... كارلوس فوينتس

الأدب عموماً يصنع عالماً موازياً .. ربما يتسع هذا العالم في الرواية .. ويتقطع في القصة القصيرة .. ويضيق في القصيدة .. لكنه يظل عالماً أكثر أتساعاً من الواقع دائماً .. هذا المقتطع البسيط من حوار الروائي [كارلوس فوينتس ] نقترح معه مساحة لنقاش نصوص الشاعرة [ خلود الفلاح ]  

* * *

قصيدةُ الومضة .. إحدى جزئيات قصيدة النثر الحديثة .. تتداخل الفكرة جيداً مع الألفاظ .. فهي تقدم للمتلقي جزئيات متنوعة .. قصيدة برقية تعتمد على إدهاش القارئ .. بمغايرة الفكرة أولاً ثم تكامل الفكرة مع اللفظ

الذات إحدى حالات قصيدة الومضة .. الذات دائماً تُشاكس الشاعر .. ومحاولة بلورة الذات في نصوص  يظل أمراً قريباً من متناول الشاعر .. لكنها تظل ذاتاً افتراضية  توازي الشاعر وتلتهم من تفاصيله الحميمية  الشيء الكثير لنقرأ معاً :

        أسى

يتملكني

رافضاً

مصادقة حمائم الصباح !!

الشاعرة هنا تصوغ ذاتاً توازي الواقع .. في تفاصيلها القريبة الصغيرة  .. إنها تدوين مغاير لذات تتآكل يومياً .. فالذات هنا ستكون موجزة قدر الإمكان .. فالمقاطع الصغيرة التي تدون تُشكلُ في مجملها ملامح لذات موازية

القصيدة هنا .. تنفصل عن ذات الشاعر .. لكنها لا تبتعد عن أفقه كثيراً ..داخلها من قلق الشاعر وارتباكه الشيء الكثير ..لذلك فصياغة نص يوازي الحياة .. حياة الشاعر يظل أمراً فيه من الروعة كما فيه قدراً من الخطورة  ..فالوقائع المدونة وقائع يومية .. لا تعتمد على الذاكرة [ كقصيدة الشاعرة حواء القمودي ] ولا تشكل سيرة في أي حال من الأحوال ... اهتمام الشاعرة بذاتها .. يأتي من صياغة الوقائع لمصلحة هذه الذات .. القصيدة هنا تأريخ يومي ..لذلك فالمقاطع عند خلود الفلاح تصل بسهولة .. وأي زوائد في النص ستكون واضحة .. لنقرأ معاً :

         التحفتُ بالصمت

خوفاً من التعثر

في السؤال !!

لماذا هذا الحزن المتراقص

في العينين ؟!

نلاحظ هنا أن المقطع [ التحفتُ بالصمت خوفاً من التعثر في السؤال ] يعطي المعنى ويشكل تناغماً مدهشاً مكتمل الفكرة خالياً من أي زوائد .. فالباقي [لماذا هذا الحزن المتراقص في العينين ؟‍‍!]  هنا في حالة تعلقه بباقي النص [ قصيدة المندس في ملامحي ] يظل عبئاً على الفكرة الموجزة التي أظهرتها الشاعرة بشكل جيداً في النص المقترح.

الذات التي تظهرها النصوص تحاول فيه الشاعرة عدم التطاول في كتابة نص طويل .. فالمقاطع القصيرة تتكامل مع بعضها لتظهر ذاتاً افتراضية متوازية  ..فهي عندما تكتب نص وتعنونه بـ [ أنا ] ..تصر على اقتراح فضاءات أوسع لذاتها تلك ، في إصرار منها على التعاطي مع ذاتٍ مغايرة .. فالأنا هنا شمولية .. لا تصوغ هماً مفرداً :

         في التباس المعنى

أرحل إلى يقيني

أفتش عن نسيان ممكن

يتفوق على تكوينات الذاكرة ... 

كذلك يظهر الأمر ذاته في قصيدة [ احتمال ] حيث الفكرة بشمولٍ واضح وإن جاءت بصيغة مفردة نوعاً ما ..فالنص مفتوح على قلق جماعي [ أول الوقت / ظل يشبهني / آخره / ضجر المواعيد / ولحنٌ قديم / يتهاطل / في صحاري روحي / آخر الوقت / غيمٌ شاحب / يعدها / بميلاد الهطول .]

في قصائد خلود تظهرُ الأنثى بشكلٍ خجول .. أنثى مواربة .. تتلمس همومها بروحٍ قلقة .. وتهمس بهدوء  [ قصيدة المندس في ملامحي ] .. تحاول أن تقول شيئاً مختلفاً .. لكنها لا تبتعد عن أفق الشاعرة الأنثى التي تتلمس أفق الآخر بارتباكٍ واضح :

         أترقبك

يشيخُ انتظاري     

والأنثى بداخلي      

تختلقُ بسماتٍ    

لمراراتٍ آتية !!    

حتى عندما تعود الشاعرة للذاكرة ..فإنها تتلمس مواقع أقدامها بحذر شديد .. ففي إحدى مقاطع قصيدتها [ العيد المسافر] .. تحاول أن ترجع إلى الماضي قليلاً .. لكنها تظل محكومة بتوقها الشديد نحو رسم ملامح مختلفة .. فالحالة هنا ليست سرداً ذاتياً مفرطاً .. بل هي توقيع يومي مختلف :[ وأنا صغيرة / ضيعت دميتي الوحيدة / ومذاك الزمن البعيد / أشيائي القريبة .. الجميلة / تتسرب تباعاً ]

كتابة القصيدة تفترض أفقاً آخر .. ننظر إلى قصيدة [ البحث عن مدى ] ونرى أن إمكانية كتابة النص مرة أخرى يظل أمراً متاحاً دائماً ..ففي المقطع الأخير تصر الشاعرة أن تمنحنا مسافة واسعة  في كتابة النصوص فهي عندما تقول :  [ ما أضيق الشوارع - ما أوحش قلوبنا - الابتسامة تمر كريحٍ صامتة ] هنا عندما تكتب بصيغة الجمع..  فلو قالت مثلاً : [ ما أوحش قلبي ] لما أختلف الأمر كثيراً .. فالمقاطع في القصيدة جاءت مكتوبة بصيغة المفرد .. لكنها تتحول إلى صيغة الجمع بتغيرٍ صغير مثل [ كلُّ مساء - يفاجأني الدمع متأنقاً - يدعي احتضاره !! ]

وهكذا بإضافة [ يفاجئنا ] بدل [ يفاجأني ] .. لا يتغير المعنى .. ولا يرتبك سياق القصيدة العام .. وتعد هذه الميزة من المميزات القصيدة الحديثة التي تمنحها أفقاً أوسع من غيرها ..ويتضح هذا الأسلوب في قصائد [ العيد المسافر ، وحيداً يغفو الليل ، البحث عن مدى ، أنا ، احتمال ]

القصيدة .. هنا وإن ظهرت بشكلٍ يقارب قصيدة الومضة في كثير من خصائصها .. فإنها لا تحوي على فكرة بمفارقةٍ عالية .. بل هي تلخيص موازي للحياة.

السؤال هنا .. إلى أي حد يظل الشاعر قادراً على صناعة نص موازي .. له القدرة على تلخيص الحياة بكلِّ تفاصيلها .. بالإضافة إلى قدرتها على البقاء ككيان منفصل عن الشاعر !!