|
النصُ المُتشظي قصيدةُ سميرة البوزيدي |
|
|
|||
|
فقط لملم بعضكَ مني ثم غادرنيوسأتعلم بعدكَ أن أكون بارعةً في القسوة .. أعدك بأنني سأتلاشى بهدوء في هذا الجحيم المغري الذي نسميه نسياناً . . . * * * بهذا المقطع من قصيدة [ أمنيات مغادرة ] نحاول أن نفترض خطوط عريضة للنقاش .. حول مجموعة من نصوص الشاعرة [ سميرة البوزيدي ] ففي قصائدها تضع الشاعرة القارئ في موضوع النص من الكلمة الأولى .. وتنهمك بعد ذلك تفصيل هذه الكلمة التي تحتوي فكرة النص الكاملة فالمقطع الأولى عند سميرة البوزيدي .. هو اللبنة الأساسية في القصيدة .. ومن هذه اللبنة تنطلق الشاعرة في بناء قصيدتها .. قصيدة سميرة قصيدة متشظية .. حيث يتشظى النص إلى نصوص صغيرة تجمعها القصيدة تحت مظلة فكرة متقاربة . في المقطع السابق من قصيدة [ أمنيات مغادرة ] تضع الشاعرة مفتتحاً بهذا المقطع [ فقط لملم بعضك مني ثم غادرني ] لتبني بعدها كيان القصيدة الكامل القائم على تكرار الأفعال مسبوقة بحرف السين في دلالة نغمية رائعة [ سأتعلم ، سأتلاشى ، سأحاول ، سأسمي ، سأدوس ... ] قد تكون هذه القصيدة أوضح الأمثلة التي أوردها هنا للكلام عن قصيدة التشظي عند [ سميرة البوزيدي ] .. تأكيداً للفكرة السابقة نناقش قصيدة [ ثقب في ذاكرة النار ] ونقرأُ من البداية : قريباً من زمنٍ ضيق مزمن . نقترف صمتاً .. لا يشبهنا نذهبُ في قتامةٍ مجيدة ونرجعُ بثقبٍ في ذاكرة النار ... إنها ترسم ُصورة كاملة من الكلمات الأولى .. حيث هنا زمن ضيق .. فإن الغبار يسطع على وجه الأمكنة .. والكلام الذي نقول يتجعد على سلالم التلاشي ..وحيث نحن نغرق في شبر من ياليت .. وتنطبق هذه النقاط في أغلب جزئياتها على قصائد مثل [ زمن ضخم،جدوى المواربة ، وخرائب رقمية ] فعندما نقرأُ مثلاً قصيدة [ خرائب رقمية ] ندرك ببساطة الحالة التي تصنعها الشاعرة من خلال هذه القصيدة .. حيث [ الضجيج يصنعُ أمجاداً .. والأحلام معالجة وراثياً .. ونحن ندخل ألفية من قيظ ..غير عابئين بخرائب رقمية ] القصيدة هنا مزركشة جيداً .. تعتمد الألفاظ على وضوح الفكرة من البداية من عنوان النص . ولا يختلف الحال كثيراً في قصيدة [ قيامة الهراء ] حيث الصور تتوزع على امتداد القصيدة .. محدثةً نوعاً من المغايرة .. لكنها في نفس الوقت تحدث نوعاً من النمطية التي تضر بالنص فبعض النصوص تقع تحت طائلة المضمون المتشابه من هذه القصائد [ خرائب رقمية ، قيامة الهراء ، زمن ضخم ، ثقب في ذاكرة النار ] من هنا فقصيدة [ سميرة البوزيدي ] قصيدة مزركشة إلى أبعد الحدود .. هي تُفعلُ مساحة الصورة .. لتكمل بناء النص جيداً .. من هنا تنطلق في بناء قصيدتها من العنوان .. عناوين القصائد عندها تلخص موضوع القصيدة .. لهذا فهي تجعل العنوان في كلمتين أو أكثر .. وبتعداد قصائد هذه الشاعرة نجد أن العناوين كالأتي :[ شوارع النار ، اتكاءة شاحبة ، قيامة الهراء ، عبور الممكن ، ضجيج الكمون .. .. ] لذلك فالعنوان أكثر الجزئيات حضوراً عند الشاعرة .. والعنوان يشكل عمقاً أخر لقصيدتها .. وهو يدل على اهتمامها بصنع صورة مغايرة .. من هذه النقطة يظل تشظي النص حاضراً في مجموعة الصور المبتكرة التي تحاول الشاعرة دائماً من خلاله الوصول إلى فكرتها .. من هنا تقفز مجموعة مقاطع تؤكد الشاعرة من خلالها هذه الحالة .. قصيدة [ عبور الممكن ] أكثر القصائد تعبيراً على هذا الكلام .. حيث القصيدة مجموعة من المقاطع الصغيرة وإن احتواها النص الكبير: الحزنُ أيوب آخر يركضُ في نهر القصيد . عابرٌ في أوهام الهواء .. متلعثم بنا ..فمن يدل المواعيد إلى شرفاته ؟! الحلم الذي صنعته البارحة يذوب في شمس الآن !! نارٌ صغيرة التي تشعلك .. وتذرُ رمادك لبعثٍ لا يحدث تعبث بازدحامك .. تحرقُ غيومك ثم تطفئك !! النص الآن يتسع .. يتضخم .. يخرج عن طور الفكرة الصغيرة .. ليقع في مزالق الصورة المبتكرة التي تعطيه الاتساع .. في قصائد سميرة .. تقفز دلالة الجمع في اغلب القصائد [ من خلال نا الدالة على الفاعلين أو من خلال فعل المضارع المبتدئ بنون ] لصنع حالة من الشمول وهذه الصفة موجودة في أغلب نصوص الشاعرة .. ومن خلال القراءة يتضح لنا أن نصوص سميرة لا تعول على الذاتية كثيراً ـ همومها كامرأة مثلاً ـ لذلك فهي تنأى عن الذات أو تصهرها في قالب شمولي وحتى وإن تكلمت بصيغة الذات المفردة فهي تتناول همومها كشاعرة أكثر من همومها كامرأة [ قصيدة جدوى المواربة ] وتظل في هذه المجال قصيدة [ أغنيات مغادرة ] الاستثناء الوحيد ـ في القصائد التي قراءتها ـ والذي طرقت فيه الشاعرة باب الذات القريبة باستحياء سؤال يراود ذهني عندما أقرأُ شعراً حديثاً : هل تنطبق الفكرة على النص في القصيدة الحديثة تطابقاً كاملاً ؟! والإجابة ستكون بالطبع لا ..الشاعر الحديث مسكون دائماً بقصيدة الصور .. لذلك فهو يركض في إطار القصيدة طويلاً .. يترهلُ هنا وهناك.. فيذهب القارئ بعيداً عن الفكرة ..النص الحديث كلما أقترب من الاختزال .. كان على مستوى عالٍ من الجودة . النص الحديث..ربما يعكس حالة الترهل التي تحدث في الحياة .. وإن كان عند [ سميرة البوزيدي ] يصنع اتساعه المزركش المتشظي .. فإن القصيدة تظل دائماً محكومة بالاتساع الذي يغري الشاعر .. أكثر من القارئ !!
|
|