Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

انفصام !!

      

   أطبع الصفحة

  عدد القراء  288

 

[ . . . يسعون إلى ضرورة تغيير العالم  حسب مقولة ماركس ، واثقين على حد اليقين بانتصار الفلاحين وصعود البروليتاريا في مدن عربية هي مجرد سوبر ماركات وفنادق فارهة ومنتجعات فاخرة للخدمات السياحية .. بحيث لم تتعدى علاقة هكذا مثقف حدود الصرعة التي تنتهي إلى فاجعة صادمة إزاء وهم التغيير .. الذي عجز عن إضافة حقل بن صغير في عدن .. أو صيانة منزل متداعٍ في القيروان عوضاً عن تغيير العالم .  ] . . .. مجلة المؤتمر  ، العدد 13

في كلام الشاعر [ مفتاح العماري ] عدة نقاط للنقاش .. لكن السؤال الذي يظل يناوش الذهن هو : أين يقع المثقف العربي ؟!

سؤال مسكون بعدد من الإجابات الواهية التي تحاول أن تستنطق حالة الثقافة عندنا .. الصورة التي يرسمها الكاتب هنا تعبر تعبيراً ملائماً عن وضع بعض المثقفين العرب الذين امتهنوا الكلام .. كطريق للتغيير دون أن يكون هناك رد فعل مناسب ينعكس على المجتمع بشكل مباشر

ويبدوا هنا أنهم تناسوا في غمرة ارتداء قناع التغيير .. ضرورة توافر حيز مناسب من الفعل .. هذا الفعل الذي يراه المثقف ملائماً لقناعاته في التغيير .. ويراه المجتمع عنصراً أساسياً من عناصر فاعلية هذا الطرف الواعي .

من هذه النقطة بالذات .. تبرز قناعات أغلب المثقفين كقناعات باهتة وغير مقنعة للكثير لأنها تضع التغيير  كالافتة  ليس إلا دون أن يصاحب ذلك ألية تترجم هذا الكلام إلى فعل .

المثقف العربي إذن مثقف مهزوم ضمنياً .. لأنه ترك ساحة الفعل ليختبئ وراء قناع الكلام .. يترصدُ مجموعة من الأخطاء دون أن  يلقي بالاً لرد فعل مناسب من هنا فهو [ يعادي الخطأ على الورق .. يهادنه في الواقع ] مسافة شاسعة بين القناعة والتغيير .. يقطنها المثقف العربي ويستسلم للخطأ ربما لعجزه في مواجهة واقع حاد الأنياب .. ومستعدٌ دائماً لأن يصادر أفكارك بسرعة وببساطة قاتلة

من هنا لنقرأ كلام [ د . محمد المفتي ] ليكون بذرة جديدة في النقاش :[ لافتقارنا للتقنية تجدنا _ نحن العرب _ نلجأ إلى اللغة لا أكثر .. ونتوهم أن ما نقوله كفيل بإبعاد الكارثة .. وهو ما فعلناه طيلة قرن ونصف ]  ... مجلة المؤتمر العدد ( 8  ، 9 )  

ومن خلال كلامه على الاختلاف كحق بناء وخلاق في كيان المجتمع .. يطرح مشكلة اللغة لدينا بشكلٍ مباغت .. وكأنه يقدم طرف المعادلة الآخر .. أو يكمل الفكرة السابقة التي طرحها [ مفتاح العماري ] .. مؤكداً في كلامه  - أي محمد المفتي - على أن اللغة انعكاس لطريقة التفكير   

لنكتشف بعد فاصل زمني كبير أن اللغة أصبحت البلسم الناجح لكل المشاكل .. بإمكاننا أن نترك المشكلة تكبر .. دون أن نتورط في وضع حلول .. وفي لحظة الاكتشاف [ عندما تصبح المشكلة من الكبر بحيث لا يمكن التستر عليه ]  نترك اللغة تتمادى لتقطف رأس المشكلة ..

[ حل بدون حل ] أو فلنقل .. طريقة جديدة للتعامي .. سؤال بحجم كبير جداً : ماذا يقدم المثقف للمجتمع ؟!

هل ينقل الصورة كما يراها ؟! أو هل يتدخل فيها بما يوازي تفكيره ؟! أو هل يقدمها كي يرضي الآخر  ؟!

هل من وظيفة المثقف أن يقدم الحلول ؟! أم هل يكتفي أن يكون شاهداً على الخراب الذي يحصل في المجتمع دون أن يكون له رد فعل عملي ؟! هل بإمكان المثقف أن يدفع عجلة مجتمع كامل ويحدث فيها تغيير مناسب ؟!

في ظل هذه المعطيات هل نقول أن ثقافتنا أنتجت عدد كبير من الخاملين .. الذين يجيدون الكلام ولا شئ سواه ..  مثقف خامل .. يتكلم عن التنمية مثلاً وتراه بعيد كل البعد عن أي مشروع عملي ناجح .. يتكلم عن مساوئ التعليم دون أن يكون في مستوى كلامه .. ناصحاً أطفاله بالغش كطريقة لا يتسربُ إليها الشك في النجاح ..

يتكلم عن حالة الثقافة المتدنية .. وهو لم يقرأ كتاب منذ فترة طويلة ..ما نشاهده الآن هو ثقافة التلاسن والحجج.. ثقافة المناسبات.. وليست ثقافة التغيير

إنه انفصام هائل يعاني منه المجتمع العربي .. بين إرادة التغيير و ألية التغيير .. هل يستسلم المثقف للواقع ويكتفي بالشهادة الخجولة على ما يحدث .. جرعة مضاعفة من الألم والمرارة .. وثمن كبير يدفعه المثقف الحقيقي برضا هائل عندما يشاهد أفكاره الكبيرة تموت أمام عينيه  دون أن يمكن زمام الفعل ..أو يحرك في المجتمع أي رد فعل مناهض !!

من هنا فإنني أدعو إلى بعث الحياة في دعوة قديمة كان شاعر عربي قد وضعها كنبراس ومنهج عمل وتدعو إلى أخذ زمام المبادرة والفعل هذه الدعوة هي :[ ابدأ بنفسك ] في جزئية تظل أكثر اقترباً من كيان التغيير الذي يبدأُ من المثقف كطرفٍ واعٍ  وفاعل قبل أي شئ آخر!!