|
خارجُ السِّرب !! |
|
|
|||
|
مرت ألسنة النار ، كانت الشاشة تناور طوال الوقت بقطوف الجماجم ، كان المساء يصيخ إلى وقع أقدام الموت كان (المعلم ) يجمع شظايا التاريخ المتناثرة في جسد المساء أمام عيون الأطفال المتوجة بالمخاوف . قال المعلم : أخرجت الوقائع رؤوسها ، وتمادي الكلام في كسر البوتقة ، وانطفأت العيون المشعة تحت سطوة الرماد المتناثر ، كتب التاريخ ترجعنا إلى أتون الحدث [ لذلك خيرٌ أن ننسَ الماضي ، حتى لا يحيا في المستقبل ، حتى لا يخدعنا التاريخ ويكرر نفسه ] ( 1 ) . قال المعلم : الحكاية لا تستقيم بدون وجهة نظر مختلفة ، بدون جهة مضادة تقترح فضاء للبحث والاجتهاد ، لذلك أفضلُ المستقبل برؤية مختلفة عن الماضي تطاول الوقتُ مرةً أخرى ، مرت في غمضة عين عدة متغيرات ، انكسرت الملامح تحت سطوة الزمن وعاد ( المعلم ) بقامته النحيلة في جبة الراوي ، وتعالى الصخب على امتداد المقهى ( الفصل ) قال الراوي : جمع ( هولاكو ) الخليفة والأمراء ونساء الخلافة والجواري .. فباع واشترى .. ونهب وسبى .. وقطف الرؤوس .. وملأ الكؤوس .. وجال وصال .. وتدفق بين يديه المال . كانت الحكاية أكبر من رؤوس الأطفال ، فغلبهم التثاؤب ، ومرة أخرى تطاولت القامات المحنية ، وغادر خيال المعلم بعيداً خيم الزمن بوقعه الباهت ، وتدرجت العصور في التدفق ، مرت جموع القبائل على امتداد الفصل ، وانكسر التاريخ مراتٍ عدة . أدمغة الأطفال استحضرت التاريخ من خلال ( الشاشة ) فتدفقت الخيل وتدفق غبار الصحراء في زوابع رملية حادة ، وخرج من الشاشة فرسان عرب بملامح جذابة وثياب زاهية كانت الحكاية في أوجها ، عندما عاد صوت ( المعلم ) ليطرد كوابيس مختلفة ، دورة الزمان لم تتأخر هذه المرة أيضاً ،مرت القبائل العربية عبر عصر كامل من الانتكاسات من التفاوت بين القاع والقمة على غفلةٍ من الجميع ، كشر الحاضر عن أنيابه ،اختفى التاريخ قليلاً أمام صخب الموت المتدفق من الشاشة وفي حضورنا الكامل هذه المرة ، ظهرت صور المجازر تراجع الوقت قليلاً ، واختفت المعايير ، ولم يتبدل شئ ، عاد ( هولاكو ) في ثياب ( شارون ) لكن بطرق قتل أكثر عصرية ، تغير بسيط في بعض الظروف التاريخية ، بعض الرتوش فقط ، بعض الأقنعة ،بعض الكلام البراق [ عولمة - إرهاب - عنصرية ]. عاد صوت المعلم من جديد : - التاريخ لا يقدم وجهاً واحداً ، بل يقدم الشيء بوجوه متعددة [ يقدم الشيء ونقيضه ] ويقدم الحكاية العظيمة وداخلها بذور فناءها ، تعامل التاريخ مع الشخوص لا يختلف مع الوقائع .. ترنحت الروؤس تحت وقع الكلام ،ومرت لحظة صمت عميق ، أشبه بسحابة باردة من هباء وعاد الصوت مجدداً : - التاريخ أيضاً لا يقدم عبرة .. إنه سرد متواصل للأحداث ، وعلى الفرد الذي يقرأ التاريخ أن يستخلص العبرة من ركام الوقائع وتذبذب الشخوص . لكن الحكاية عادت لتقدم الحكمة في داخلها : لا أحد يكرر أحد ، حياة أي فرد حالة متميزة عن حياة الفرد الأخر ، لكن المجتمعات التي لا تستفيد من الماضي مكتوب عليها أن تجربه مرة أخرى . عاد الصمت .. لكنه كان صمتاً مطبقاً إلى أقصى درجة ، كانت كثبان الكتب تنفضُ عن نفسها الكثير من الكلام وتقدم الشخوص بوجه واحد وبقفزةٍ صغيرة من الزمن عاد التداخل بين ( هولاكو ) و ( تيمورلنك ) و ( شارون ) للظهور مجدداً الشاشة عادت لتقدم لنا وجهاً أخر لأنفسنا .. الحكاية لم تكتمل .. والحاضر انسحب نهائياً من أيدينا مفسحاً المجال للماضي العتيق ليحتل الشاشة!!
ـــــــــــــ |
|