Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

فأكسوُه !!
عن تطور اللغة

 
 

   أطبع الصفحة

  عدد القراء  349

 



قيل للشعبي : إنّا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك ، فقال : إني أجده عارياً فأكسوه !! .. من غير أن أزيد حرفاً !! إنها رغبة حاضرة تُحاصر الجميع .. كيف نجعل هذا الكائن البسيط متوهجاً .. حارقاً ؟! أن ننـزع عنه ثيابه البالية ونلبسه ثوب الخيال المتوهج!! معادلة صعبة .. يقترحها ( الشعبي ) إجابة مراوغة وكأنها لغزٌ من الألغاز.. جميلٌ أن تكون للغة غاية وهي خلق الدهشة .. إجابة ( الشعبي ) هنا ستكون مفتاحاً للنقاش
                                                 * * *
نحاول أن نقترح بداية للنقاش . . نحاول الغوص قليلاً .. عندما كان الإنسان يبحث عن لغته .. كان البحث عن الكلام حالة إنسانية خاصة تفرد بها عن غيره من المخلوقات . كان البحث عصياً عندما كان كل شئ يغوص في بدائيته .. كانت الهواجس تطرقُ ذهنه دون أن يفعل حيال ذلك شيئاً .. كان الإنسان اعزلاً أمام بيئته الجامحة .. مدفوعاً للبحث عن معنى لحياته اللغز الكبير ..باختصار كان يبحث عن نفسه !! كان تصوير الحياة أولى خطواته لتقييد الكلام .. لذلك لجأ إلى الكهوف ليسجل أفراحه ومخاوفه .. كان العقل بدائياً .. وكانت الدهشة نابعة من كل شئ . كان الكلام يتوقف على تحقيق أغراضه الحياتية .. كان مباشراً وموجزاً .. هل نقول إنه كان عارياً إلى درجةٍ لا تصدق ؟!.
                                             * * *
كل شيء يبدأ من الإنسان وإليه ينتهي .. الكلام اصبح طيعاً مع اكتشاف الكتابة .. أصبح يشكلُ إرثاً تراكمياً .. ففي سجلات الطين البدائية خرج علينا الكلام مُرتدياً ثوب الخيال لأول مرة وأصبحت الأساطير الأولى زاد الإنسان المشدوه أمام ما لم يستطع تفسيره .. كان الكلام مفتاحاً لمملكة الخيال العتيقة
                                            * * *
في حياة العربي .. كان للكلام علاقة معقدة مع كائن آخر أسمه ( الشعر ) .. كان الإنسان يواجه بيئة قاسية عندما اكتشف الشعر مصادفةً .. كان يقود جمله في صحراء قاحلة .. ومن خلال هذا الثنائي       ( الصحراء ، الشعر ) كان الكلام يدخل مرحلة أخرى !! إنه يشيد مملكة الخيال .. إنه يحمل الشعر هذه المهمة المستحيلة .. لذلك استطرد الشعر في النغم مخترقاً جبهة الأذن وتفرد في تقديم الصورة الساحرة مخترقاً جبهة العين من ناحيةٍ أخرى .. وبين هاتين الجبهتين نمى الخيال سامقاً .. وتوسع في تحميل الكلام جوانب وجزئيات متفاوتة .. فكانت الكناية والتورية والجناس والطباق . كانت اللغة تبتعد عن المباشرة .. تخرج من طور التقريرية .. كانت ترتدي أجمل الألفاظ .. صارت لها أجنحة .. وأصبحت تحلقُ عالياً !! كانت أبيات الشعر مِفتاحاً تتطور من خلاله اللغة وتستمدُ منه ضوابطها وسياقاتها .. تتشكل عبر فترة زمنية طويلة .. لتفرز تطوراً طبيعياً
                                                * * *
( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) . . من هذه الكلمات التي كانت فاتحة دعوة جديدة ..تحرر الإنسان وتدعوه لعبادة رب واحد من هنا جاء الكلام المعجزة .. صار ( القرآن ) معجزة العربي ..تنمو معه أشياء .. ويقتلُ أشياء أخرى.. عبر تدفق السحر .. عبر تناسق اللفظ .. وعبر استواء الكلمات دهشةً مغايرة .. صار الكلام الرباني منهج للدنيا والآخرة . كان الكلامُ راقياً .. يوحدُ حلاوة اللفظ مع عمق الفكرة .. كان المستهدف الإنسان أولاً وأخراً. من هنا أصبحت اللغة كيان كبيراً .. يخرج من كونه أداة تعبير .. ليصبح سجلاً جامعاً يحوى الحياة كلها . أصبح الكلام يرتدي يتحرك عبر إعجاز القرآن ..فتم إنتاج كلمات جديدة . . كلمات ليس لها ماضٍ .. او كلمات قديمة تخرج عن معناها القديم .. وترتدي من بلاغة القرآن ثوباً زاهيا