|
الخيطُ الرفيع قصيدةُ ربيع شرير و صابر الفيتوري |
|
|
|||
|
القصيدة عند ( ربيع شرير و صابر الفيتوري ) تزن كل شئ بميزان العقل ، قصيدة تقف على أقدام فكر متمعن ، قصيدة تصهر كل شئ في بوتقة العقل ، لذلك تشعر أن كل الأفكار والألفاظ موضوعة عمداً وقصداً في قالب القصيدة ، بما في ذلك خيط الفكرة الرفيع الذي يجمع شمل المفردات والصور وقد يكون من الإجحاف أن نحاول إيجاد قاسم مشترك بين نصوص الشاعرين ، لكن ( الصنعة ) التي تقف وراء القصيدة ، والتي يشكل الشاعر من خلالها الألفاظ ويقود الجزئيات المختلفة تظهر عند الاثنين ، لذلك نقرأ عند (ربيع شرير ) : كأس تكسر ودندن ما صار أجمل لماذا نلملم شيئاً توحد ؟! لماذا توحد شيءٌ حين تكسر ؟! من هنا يظل خيط الفكرة الرفيع جزءً حاضراً عند الشاعرين ، ففي قصيدة ( ربيع ) تلوح أطياف الصوفية ، لذلك تظل الكلمات مسكونة بشفافيتها الحادة ، وتناغماتها البسيطة ، وجزئياتها التأويلية الغائبة وراء اللفظ ، بينما ترتمي قصيدة ( صابر ) في حضن الفكرة وتنسجم مع اللغة في توافق كامل مسكون بقلق واضح تجاه النص : كان طفلاً يلعب بالشمس يتدحرج إلى شباك الظلمة فيرسم الليل أبدوعة من خراب من هنا تلعب الكلمات المتقابلة دوراً مهماً في تأكيد فكرة الخيط الرفيع عند الشاعرين ، فعند ( صابر الفيتوري ) تتقابل ( الشمس والظلمة والليل ) وعند ( ربيع شرير ) يتقابل ( الصمت والصوت ) : قهوة بنكهة حب قديم ومقهاك صمت أرشف همي أسف غبار انتحاري وأهديك صوت !! من القواسم المشتركة في نصوص [ صابر وربيع ] هذا الاستخدام للكلمات .. كلمات قد نطلق عليها إنها تفتقد للشاعريتها .. لكن المعنى هو الذي يهم الاثنين .. هكذا تتم المخاطرة بالفكرة في قالب الكلمات البسيطة.. الأمر الذي يضعف خيط الفكرة الذي يربط الجزئيات ببعضها كثيراً .. ويجد المتلقي نفسه في وسط مجموعة من الكلمات تفقد إلى روابط مناسبة .. لكن هذه القصائد عند يتوفر فيها رابط الفكرة تعطي المتلقي براحاً مدهشاً مثلما تعطيه للشاعر نفسه . أمر آخر ..نلاحظ ذلك من عناوين القصائد .. فالعنوان جزء يكثف القصيدة ويختزلها .. وهو أيضاً جزء بالغ الأهمية .. ولا يتجزأ عن القصيدة في أي حال .. فالعناوين عند الاثنين .. لا تركن لتفاعلها مع المضمون .. لذلك فأغلب هذه العناوين نائية عن القصائد .. أو صعبة التلاقي مع النص . نقطة أخرى .. في المقاطع الصغيرة التي يكتبها الاثنين .. والتي تعتمد على أتساع أفاق الفكرة .. ويختزل معها جزء كبير من الكلمات فإنها تظهر بجزئيات مختلفة : فعند [ صابر الفيتوري ] تجد نفسها تركن إلى تفعيل فكرة النص .. قبل تفعيل الألفاظ .. لذلك فالكلام البسيط الذي صيغت به الفكرة يميل إلى المباشرة .. لذلك تستمد القصيدة قوتها من الاختزال الذي يعطي دفق الفكرة توهجه .. ويتضح ذلك في قصيدة :[ تردد] : إذا لم تشرق الشمس غداً فسوف أنتحر !! العنوان هنا يشكل نصف القصيدة ..الأمر الذي يستدعي منك أخذ القصيدة ككل واحد للوصول إلى فهم كامل ..لكن هذه المقاطع تفقد توهجها عندما تميل إلى إطالة الكلمات ..مثلما حدث في قصيدة [ انشغال ] : لطمت على وجهي للمرة المائة بعد المليون رغم أن عمري بضع ثواني طلبت النجدة من أشقائي لكنهم كانوا منشغلين بشرب ( الكبتشينو ) . أم عند[ ربيع ] فالمقاطع الصغيرة متوفرة وبكثرة .. فقصيدته أصلاً تكتب بطريقة المقاطع .. الأمر الذي يُفعل عنصر الاختزال جيداً .. وبالتالي يمكن اعتبار كل مقطع قصيدة .. وخير مثال على ذلك قصيدة [ زاوية ] : منعشةٌ كالعدم مألوفةٌ ( كتلفازنا الرسمي بعد منتصف الليل ) وفارهٌ ضيقك .. وباذحةٌ قصائدي . . . قصيدة [ ربيع ] يتوفر فيها نغم مقارنةً بقصائد [ صابر ] لكن هذا النغم لا يشغله كثيراً .. لذلك فمقاطعه تميل إلى الإطناب قليلاً .. الأمر الذي يوفر براحاً جميلاً للقصيدة .. يمكن أن تتحرك من خلاله . بعكس قصائد [ صابر ] عندما تميل إلى الطول .. فهي تفقد قدرتها على الوصول للمتلقي . القصيدة عند الاثنين .. تستظل بمظلة القصد .. والاشتغال على القصيدة .. يأخذ حيزاً كبيراً منهما .. الأمر الذي يدفع المتلقي لتفعيل أسئلته [ لاهتمام الشاعر بقصيدته ] .. لكن هذه الأسئلة ستفقد حضورها في حالة غياب رابط الفكرة الرفيع .
|
|