|
من باب النصيحة !! |
|
|
|||
|
) فوسوس لهما الشيطانُ ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما ، وقال ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إنِّي لكما من الناصحين ( الأعراف من هذا الباب مرَّ ( إبليس الرجيم ) تنكر جيداً بثياب الناصح .. ومارس الغواية بقناع النصيحة ( إني لكما من الناصحين ) هذه الكلمات المقنعة رسمت تاريخ البشرية .. .. لن ابتعد قليلاً .. فالحكاية لم تختلف .. بل تشعبت بفوضى ماكرة .. وتبادل الجميع الأدوار.. لكن دور الناصح ظل بحساسية خاصة نوعاً ما !! ربما من هنا صارت النصيحة عبءً مرهقاً .. قيداً ثقيلاً .. تنوءُ به العقول وتمجه القلوب .. وتهربُ منه الروح ..ربما من هنا جاء كلام النبي ( صالح ) إلى قومه ليوضح هذا الأمر : [ يا قوم قد أبلغتكم رسالة ربي ونصحتُ لكم ، ولكن لا تحبون الناصحين ] سورة الأعراف * * * كم هي مرهقة النصيحة ؟! وكم يرهقني الانصياع ؟! وكم يرهقني العمر المسيج بالنصائح ، وأنا أرقبها متناثرة على امتداده ؟! من مخاوف الأباء والأمهات إلى مجموعة النصائح الجامدة من فم المعلم إلى نصائح الأصدقاء التي تطوقني في كلِّ وقت !! لذلك كان الهروب نوعاً مختلفاً من ممارسة الرفض البداية صغيرة جداً .. شرود ثم هروب صغير مقترن بفترة سرحان .. أهربُ بوقتي الضيق إلى فضاء شاسع .. عندما كان الخيال يجنحُ بعيداً .. عندما كان الشارع حقل ألعاب وفضاء للاكتشاف .. حيث الدهشة الأولى .. زاد العقل المنفتح على الدنيا .. لذلك كان الهروب نوعاً من حماقات الطفولة .. كان نزقاً لا يتوقف عند حد في الشارع يصبح الهروب ممسوساً بفوضى وحساسية .. كل شيء يترجم بشكل مختلف .. لذلك كانت ترجمة كلمة نصيحة في كلمة قيد. * * * في المدرسة أختلف الأمر كثيراً ..كلُّ شيء بمذاق الخوف .. النصيحة محاطة بهالةٍ خاصة .. والعصا هي صاحبة الكلمة الفصل !! ربما هنا كان علىّ أن انحني قليلاً لمجموعة النصائح المتكررة وتحت سطوة العصا وحدها .. نمت أشياء كثيرة ..لذلك كنت أترك النصائح في المدرسة تنمو وتكبر ، وعندما أعود كلَّ صباح ارتديها .. وأمر أمام الجميع مزدهراً بالنتائج .. مدهشاً كحلمٍ جميل !! في المدرسة أيضاً تتعلم ( النعم ) تتعلم الموافقة السهلة .. وتصبح ( لا ) طيفاً بعيداً وأمنية مستحيلة ..تغرقُ وسط نصائح لزجة .. تحمل بذور الرفض .. لكنك تغمض عيونك .. وتواصل البحث عن حفنة من الأصدقاء تواصل معهم الرفض هروباً عندما كبرتُ قليلاً .. كان الهروب من عبء النصيحة بحثاً عن شكل آخر .. كان الهروب تجاوز للحالة التي ألفها الناس عني .. تذبل خصال وتزهر أخرى .. وبين حالة الذبول والازدهار .. تذهب النصيحة إلى غاياتها هادئة .. دون أن أدرك إنها أحدثت تغييراً في نفسي !! ومع مرور الوقت .. تدخل أشياء كثيرة من باب النصيحة .. ويكبر معها هروبنا .. وتتضاءل أمامها سطوة الرفض ..نتماثل للشك كلما جذبنا اليقين إلى أحلام بلا نكهة .. نركن للعجز كلما عصفت المشاغل بأمنيات صغيرة بلا أجنحة ومع مرور الوقت .. يدرك المرء الوهن الذي يسري مع الثقة الزائدة .. ويبهت اليقين الساطع تحت وقع الزمن ..ومع كل هذا تذبل النصيحة تفقد وقعها الصاخب والهادي .. تتكسر .. تفقد بريقها عند أصحابها أصلاً .. وتفقد معها القدرة على الإقناع . المثل الشعبي يقول : ( أسمع من امبكياتك ) في دلالة واضحة على ثقل النصيحة على متلقيها ..وهذه جزئية أخرى .. تمثل رفض النصيحة بأسلوب يحمل داخله وقعاً خاصاً .. وباقترانه بصفة البكاء يحمل المثل رفضه الضمني للنصيحة !!
|
|