|
الرجاء والقلق معاً !! |
|
|
|||
|
إنها الفهم كله .. وأظن أن العرب عندما سمعت هذا الكلام قالت : ما هذا كلامنا .. إنه هذيان إنها شطحات الصوفية . هذيان الصوفية .. حيث اللغة تكسر قوالبها القديمة .. وتركن إلى الفكرة الجديدة .. هذا الخرق الذي يمارسه الشاعر ( عمر بن الفارض ) في تائيته الشهيرة .. إنه يصور الإنسان هذا الكائن المسكون بهواجس الخوف .. كيف يرتمي في حضن الرجاء .. ومخاوفه ملء عقله المدرك .. كيف لا يهشُ قلقه .. كما يهش أفكاره السامية عندما تعترضهُ لحظة نزق.. لماذا يراوحُ بين خوفه ورجاءه ؟! ولا يستوعب الخطوة التالية التي تُبعده عن هذا وتقربه من ذلك .. إنه الإنسان صنيعة القلق والرجاء معاً .. المسألة إذن تتربع على قمة المشاكل .. علينا أن نصوغ من هذا الوجع ثقباً صغيراً للغد .. حيث الرجاء متاحُ بما يكفي .. والقلق أيضاً .. القلق والرجاء في إناء واحد ..أية دهشةٍ هذه ؟! وأي غموضٍ هذا ؟! * * * لا أحد ينكر النقلة التي أحدثها الفكر الصوفي في الشعر .. ولا أحد ينكر كذلك الأبعاد المختلفة التي تحققت من خلال هذا الفكر .. وربما لكونه وجد معارضة .. لذلك وجدت نقلته الشعرية الكثير من العوائق ونتوقف هنا لنستدرك المقدار الذي تسرب عبر قصائد الصوفية .. وندرك بعد قدر صغير من التركيز ..أن قصائد الصوفية استوعبت الجانب الديني موظفةً بلاغة القرآن ( منطلقةً من كون الكلام الرباني معجزةً في حد ذاته ) بالإضافة إلى استفادتها من سياقات الشعراء الفحول أمثال ( أبي تمام ، والمتنبي ) الذين تشكل عبر قصائدهم سياق مختلف للشعر ( أصبح أكثر حدة .. وأكثر قدرة على المناوشة ) من هاتين النقطتين أنطلق الشعر الصوفي .. مستنداً على اللغة التي هي زوادة الشعر الأساسية ليتحرك من خلال القصائد وعبرها : فعيني ناجت .. واللسانُ مشاهدٌ وينطقُ مني السمعُ واليدُ أصغت
من هذا المنطلق تظل القصيدة الصوفية ..
جزء أساسي من القصيدة العربية .. لها دهشتها ولها أيضاً حالة الخروقات السافرة
التي تصوغ خصوصيتها من كل الجوانب . فالقصيدة الصوفية أكثر انشغالاً بالذات ..
الذات التي تحاول أن توجد متنفساً في عالم تحكمه الأحكام المسبقة والناقصة
وتتحرك فيه أغلب الذوات في مسار واحد .. إنها تؤطر نفسها بعيداً عن أي شوائب
دنيوية .. لها عالمه الخاص .. لذلك تصور انشغالها بصورةٍ دقيقة . إلا أن ذات
الصوفي تظل استثناءً .. ذات قادرة على الجمع بين قلقها الوفير .. ورجاءها
المتاح .. ذات تجادل لأنها أكثر انشغالاً باحتياجاتها إنها كما يقول الحلاج (
إني أصل بلوائي ): ففي الصحوِ بعد المحوِ لم أكُ غيرها وذاتي بذاتي إذ تحلت
تجلتِ زهد الصوفي بالدنيا قاده .. إلى رسم منظور مختلف لها .. جهله يكسر
الحواجز حول الذات التي تحلم بالانطلاق .. لكنه انطلاق محدد بسمو رائع ونلاحظ
من تشكل القصيدة الصوفية حول نفسها .. نتاج كبير من الشعر الغامض .. هذا الغموض
الذي أكسب القصيدة أكثر قدرة على المشاكسة هذا الغموض أيضاً نتاج نشاط فكري
معاصر .. كان يواكب التيارات الفكرية السائدة التي تتفاوت في قناعاتها . ومن
هنا تظل العودة إلى الذات من صميم سمات القصيدة الصوفية .. التي وإن كانت
منشغلة بذاتها في تصوغ فلسفتها الخاصة : ( فهزلُ الملاهي جدُّ نفسٍ مجدّة )
عالم مختلف .. تتفرد به القصيدة الصوفية .. وتتجلى إلى أبعاد واسعة .. ربما يظل
لسان حاله الوحيد ما قاله ( أبن الفارض ) في تائيته : وما هي إلا النفس عند
اشتغالها بعالمها عن مظهر البشريةِ |
|