|
السردُ الـمحموم قصيدة نعيمة الزني |
|
|
|||
|
عندما نقول : [ قصيدةٌ تتلبسُ ذات الشاعر ] .. قد لا نقول جديداً .. لكن عندما تكون القصيدة مسكونة بكمٍ هائل من التداعيات .. الذي يُفعلُ قصيدة محمومة بسرد ذاتها إلى أبعد الحدود ..فإنها تكون قصيدة متلبسة بالذات .. لذلك فالقصيدة انهمار طويل ومتواصل من التوتر .. وهي كذلك لا تتوقف عند نقطة معينة .. ولا تنشغل بنسج علاقات وروابط بين أجزاء القصيدة .. حتى وإن وردت مقاطع صغيرة وسط القصيدة الكبيرة فإن تدافع السرد يعطيها طابع النسيج الواحد : الغيمُ يدخلُ من النافذة يغيبُ الحلمُ في خاصرة المدينة يصبحُ المساءُ يابساً عن ضحكتي صباحٌ أبله ما عاد يوقظني وليل فضفاض لا يتسعُ لعيني فهل يُحييك لي الله رصيفاً آخر ؟! قصيدة متداخلة فهي تقع تحت طائلة بوحها ..وخاصةً أن عنوان القصيدة [ أنا ] لكنها في المقابل تطوع هذه الأنا كثيراً عندما تقترح إطاراً واسعاً للبوح وهو هنا المدينة . . لذلك فهي تقترحُ البداية مرتبكةً قليلاً .. لا تنبئ بما سيكون بعدها .. لكنها عندما تتخلص من البداية تركن إلى الأنا المشغولة بالتفاصيل .. تدرك أن المدينة تستوعب الشاعرة كحالةٍ للبوح .. فهي عندما تقول : [ فهي يحييك لي الله رصيفاً آخر ] فإنها ترضى بالمدينة كبديل عن هذا الشخص .. المدينة إذاً حالة أخرى للبوح : فالليلةُ تختمر في القلب آخر القصائد ليتلعثم الهواء لأمتطي نزقي وأذهب لترتبك الشوارع بخطاي الواهية . . . تتميز قصيدة [ نعيمة الزني ] بقصر الجمل المكونة للقصيدة .. من هنا فهي تفعلُ مساحة الأفعال في بحث محموم عن صورة تسع حالة البوح الهائلة .. لذلك فهي تعولُ كثيراً على اقتراح الأفعال كمساحةٍ حقيقة للقصيدة .. [ هذه الخاصية يعولُ عليه الكثير من الشعراء خصوصاً شعراء قصيدة النثر .. الأمر الذي يعطي القصائد صفة التشابه ] .. قصيدة [ نعيمة ] لا تخرج عن هذا الإطار .. لذلك فهي عندما تقترح الفعل كمساحةٍ للبوح فهي تعطي الصور المستحدثة نوعاً من الحركية أو الحياة في داخلها لنقرأ معاً : شيءٌ يفقدُ شاعريته يفقدُ جماله .. يرتمي في اللاشيء تخرجُ من عيونه عناكب وتسبحُ في فمه حكايات قديمة يرقدُ على قفاه مُشرِعاً صدره لآلاف النجوم فاتحاً قنينة البحر ساكباً ألوانه الزرقاء في جدران الغرفة خاطفاً بهجة فجر يراقصُ ليلته العنيدة .. . . وهكذا تتوالي حركة الأفعال في القصيدة .. محدثةً نوعاً من اللهاث الجميل خلف التفاصيل.. ونلاحظ في المقطع السابق إنه حتى وإن غابت الأفعال فمساحة الفعل مقترحة من خلال [ مشرعاً ـ فاتحاً ـ ساكباً ـ خاطفاً ] نقطة أخرى للنقاش في قصيدة نعيمة مساحة الاختزال غير واردة ..وحتى وإن وجدت مقاطع فهي مقاطع تخرج عن إطار الاختزال لتقع تحت طائلة السرد .. الشاغرة مشغولة بإنجاز ذات مغايرة فضفاضة .. فالمقاطع المختزلة لها سياق مغاير . . نجد قصيدة بعنوان [ قصائد ] وهي قصيدة مرتبة في مقاطع كلُّ مقطع بعنوان مختلف .. لكنها في عمومها تشكلُ نسيجاً واحداً .. وبالنظر إلى المقاطع نجد أن الطول يغلب عليها .. عكس القصائد الحديثة المختزلة التي يُشكلُ الإيجاز جوهرها .. وبقراءة المقاطع تتشكل القصيدة كقصة : ذات صباح بلون الورد أطلَّ وجهه البريء كان غامضاً .. مبللاً بالشجن وضعت يدي على قلبي ونظرتُ في عينيه رأيتُ شموساً .. ومدناً مُعلَّقة وأطفالاً !! هذا هو المقطع هو بداية القصيدة وهو بعنوان [ لجوء ] نجد أن المقطع الثالث وهو بعنوان [ اقتراب ] يبدأُ هكذا : أخذ يقتربُ كما قاربٌ يغرقُ في اليم يقتربُ المسافةُ تختنقُ .. الضجيجُ يبتعدُ . . . هكذا يتضحُ سياق القصيدة كقصة .. قصة تدور في فلك [ الآخر ] الذي يستقطب الكلام .. وتوجه إليه الشاعرة كلامها .. فالذات هنا ـ رغم كل ما تحمله القصيدة الحديثة من تعدد الدلالات ـ هي ذات محايدة .. ما يعنيه هو المخاطب دون سواه .. وما يستقطبنا هو تعامل الشاعر مع هذا الذات .. حلقة صغيرة في سلسلة طويلة .. لكن هذه القصيدة تظهر مستوى الشاعرة الحقيقي في تعاملها مع القصيدة كسياق للفكرة .. وكيفية تعامل الشاعر مع فكرتها أعطى القصيدة شكلاً لا نقول عنه إنه جديد .. لكنه يحملُ بذور اختلافه . في قصيدة أخرى وهي بعنوان [ أراك تهطلُ في القلب ] وهي عنوان المخطوط الذي أطلعتُ عليه .. تقترح نفس الخاصية ونفس سياق الطرح.. ومن خلال هذه القصيدة تظهر المدينة مرةً أخرى كجانب مهم وفعال في القصيدة .. إنها تتعامل مع المدينة تعاملاً حذراً لكنه مسكون بقلقه ونلاحظ هنا أن [ المدينة ] تعادل المخاطب كنموذج له .. ليس نموذجاً مختلفاً لكنه نموذجاً متعادل معه تعادلاً تاماً : عند أول منعطف ألمحُ مدينتي تهرب من سريرها تتمشى على أطراف أصابعها لتقابل عاشقاً يقف هناك يرتجف من البرد والعسس . قصيدة [ نعيمة الزني ] مسكونة بهاجس السرد .. سرد محموم تفعله الذات وينسجمُ معها انسجاماً تاماً .. القصيدة هنا ألية للبوح المتسع .. تُجاهر الشاعرة من خلاله بعواطفها و همومها .. وأيضاً الكثير من تمردها !!
|
|